الشيخ حسين بن علي الكاشفي ( الواعظ الهروي )
461
رشحات عين الحياة في مناقب مشايخ الطريقة النقشبندية وآدابهم النبوية وأسرارهم الربانية
وكانت شفقته على الخلق على وجه : قام ليلة في أيام البرد عن فراشه ، فلما عاد رأى في لحافه هرة نائمة فلم يرض بإيقاظها وتحريكه إياها وقعد إلى الصبح متحملا لنكد البرد . ووقع الجدب والقحط مرة في بلدة لاهور حين إقامته فيها ، فلم يأكل في تلك المدة شيئا ، فإذا حضر عنده طعام كان يفرّقه ويقسمه على الجائعين ويقنع بنفسه بالتناول من ميراث : « أبيت عند ربي » « 1 » الحديث . ولما خرج من لاهور متوجها إلى دهلي ، رأى عاجزا في الطريق ، فنزل عن دابته وأركبه عليها وصار يمشي متقنعا لئلا يعرفه أحد . ولما قرب إلى المنزل أنزله وركب بنفسه لئلا يطلع عليه أحد . وكان في رؤية قصور الأحوال واتهام النفس على غاية لا يميز نفسه عن العامة فضلا عن أصحابه الكملاء الفضلاء . كان في جواره شاب يرتكب كل شيء من أنواع الفسق ، وكان يتحمله مع اطلاعه عليه ، فسعى خواجة حسام الدين في دفعه وتأديبه إلى الحكام ، فأخذوه وحبسوه . ولما اطلع على ذلك غضب عليه وقال : لم فعلت كذلك ؟ قال : يا سيدي إنه فاسق لا يبالي ، يرتكب كل شيء ، فأوجب التأديب والحبس . فقال : أواه ، لما كنتم من أهل الصلاح والصفاء والتقوى رأيتم فسقه ، وإلا فنحن لا نعرف الفرق بيننا وبينه فكيف نترك أنفسنا ونسعى به إلى الحكام ! . ثم سعى في تخليصه وإخراجه من الحبس ، فأخرجوه ، فتاب وصار من صلحاء الأنام . وهكذا كان عادة الكرام . وقصة الإمام أبي حنيفة رضي اللّه عنه مع جاره الإسكاف الذي كان يجيء كل ليلة إلى بيته سكران ، مشهورة معروفة . وكان إذا صدرت زلّة من أصحابه يقول : إن هذه من زلاتنا ظهرت منهم بطريق الانعكاس ، فماذا يصنع هؤلاء الفقراء فيما لا اختيار لهم فيه ! . وكان إذا أشكلت عليه مسألة فقهية يرجع إلى الفقهاء المتورعين ويستفتي منهم ما هو الحق والصواب ، وكان يختار الأحوط في العبادات والمعاملات ، ولهذا كان في ابتداء حاله يقرأ الفاتحة خلف الإمام مع كونه حنفي المذهب لكثرة الأحاديث الواردة في قراءتها وقوة دليلها ، حتى قال صاحب « البحر » : اخترت الإمامة للعمل بالمذهبين .
--> ( 1 ) رواه إسحاق بن راهويه في المسند ، حديث رقم ( 1035 ) [ 2 / 463 ] .